© AFP. Mario Tama
11:36 | 2012 / 02 / 06
كتب مازن عباس
لكن هذا الموقف لا يجب أن يقود إلي تبرير ما حدث في مجلس الأمن، لأن صدور هذا القرار كان بالتأكيد سيشكل دعما معنويا للشعب السوري، الذي يواجه آلة القمع الدموية ليس فقط على مدار الشهور الأخيرة، وإنما منذ أكثر من ثلاثين عاما.
إن التعديلات التي طرحها فيتالي تشوركين والتي تركزت على وجود فصائل مسلحة حمّلها مسؤولية العنف، تحمل في طياتها ضررا مباشرا لروسيا وهيبتها. فإما تشوركين لا يعرف أن هذه الفصائل هي مجموعات العسكريين السوريين الذين رفضوا إطلاق النار على أبناء شعبهم من المتظاهرين العزل، وانشقوا لحماية هؤلاء المدنيين، ولا بد من الإشارة أن من سبق هذه المجموعات العسكرية بالانحياز إلى الشعب دون أن يلجأ للانشقاق وحمل السلاح، قتل على الفور من جماعات هذا النظام. وإذا كان الأمر كذلك فإن الحل بسيط، لأن القدرات المتميزة لهيئة الاستخبارات الروسية تمكنها من تكليف متخصصين بتجميع وتحليل ودراسة آلاف التقارير المصورة والمعلومات القادمة من المدن السورية، للتأكد من هذه الحقائق. وبذلك تتجاوز موسكو نقطة نقص المعلومات.
أو أن السيد تشوركين يعرف الحقيقة، ويستخدم أكاذيب النظام لتبرير موقفه الرافض لإصدار مجلس الأمن قرار يدين النظام السوري، وفي هذه الحالة ستكون المصيبة أكبر.
قد يردد البعض مقولات تشرح موقف موسكو من خلال مصالح جيوسياسية عميقة وصراعات كونية كبيرة، لكن حقيقة الأمر أن هذا البعض يقوم بتبديد وبتدمير رصيد كبير راكمته موسكو عبر عشرات السنين في علاقاتها مع العالم العربي. بل ويطالب هؤلاء بكل صفاقة ووقاحة الشعوب العربية أن تعيش في ظل دكتاتوريات قمعية تقتل شعوبها، لتجنب أزمات مرحلة بناء الأنظمة الديمقراطية المدنية، لأن العرب غير جديرين ببناء بلدان حديثة.
ما يطرح سؤالا جوهريا..من له مصلحة مباشرة في إفساد العلاقات الروسية-العربية وإيصالها لنقطة ما تحت الصفر؟ من له مصلحة في أن ترفع شعارات في البلدان العربية تطالب بمقاطعة روسيا؟
كيف يمكن أن يقيم المصريون الذين رفعوا علم الثورة السورية على امتداد ميدان التحرير في 25 يناير الماضي، والتهبت حناجرهم بشعارات تساند إخوانهم السوريين الذين يواجهون يوميا آلة قتل دموية بكل رجولة وصلابة، هذا الفيتو الروسي الجديد؟
لقد كان قرار تونس طرد السفير السوري وسحب الاعتراف من الحكومة السورية أمرا منطقيا، ينسجم مع المرحلة الجديدة التي انتقلت إليها تونس.
لأن ثورة 17 ديسمبر في تونس وثورة 25 يناير في مصر صححتا أخطاء تورطت فيها قوى وطنية عربية تمثلت في دعم الأنظمة القمعية الدكتاتورية باعتبار أنها تتبنى أحيانا مواقف وطنية في الصراع العربي- الإسرائيلي، وقد كان هذا الخلل من أهم العوامل التي أدت إلى انحسار دور هذه القوى سياسيا في مختلف الشوارع العربية. ثورة 17 ديسمبر وثورة 25 يناير فتحتا طريقا جديدا للتحرر والاستقلال.. يعتمد بالدرجة الأولي على حرية المواطن ووعيه بحقوقه السياسية والمدنية وبضرورة ممارستها وصولا إلى أهمية بناء دولة مدنية ديمقراطية، ما سيؤدي بالضرورة للتحقيق التحرر والاستقلال.
لقد بدأ "الربيع العربي" - ومن يقرأ مسار التطور الاجتماعي في المنطقة بشكل علمي مؤسس على تحليل لتاريخ الشعوب العربية - يدرك تماما أنه لن يتوقف حتى تحقيق أهدافه. ومن العبث أن تعادي بعض الدول شعوب المنطقة، لأن مذبحة صبرا وشاتيلا التي سبقتها مذبحة تل الزعتر وجاءت في أعقابها حرب المخيمات لم تثن الشعب الفلسطيني عن تفجير انتفاضته الأولي والثانية. كما جلبت مجزرة قانا الويلات علي واشنطن التي استخدمت آنذاك حق الفيتو لحماية إسرائيل من قرار مجلس الأمن، وأجبرت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان بعد أعوام قليلة.
لقد أعطى الفيتو الروسي للغرب ولإسرائيل ما كانوا يسعون لتحقيقه على مدار عشرات السنين على طبق من ذهب. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار الدور الروسي في المنطقة لأسباب اقتصادية وسياسية، بقي الرصيد الشعبي والسياسي الذي راكمته روسيا عبر سنوات طويلة يفرض نفسه على مختلف المعادلات والمسارات السياسية في الشرق الأوسط، بشكل أو بآخر. لكن الفيتو الروسي نجح في القضاء على هذا الرصيد، وسيمكن الغرب من إنهاء أي بقايا لهذا الدور.
وكما قال لي أحد الأصدقاء..حفر في وعينا وذاكرتنا منذ الطفولة أن التظاهر ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحرق أعلامهما هو من مسلمات التعبير عن الموقف الوطني العربي، فإذا بالولايات المتحدة تستفيد من الموقف الروسي وتسجل نقاطا على حساب موسكو، وتحرق الأعلام الروسية.
(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)