"أنباء موسكو"
فتح سقوط ستار الحديد أمام السياح أرضا كبيرة تتميز كل بقعة صغيرة عليها بروعة رسمتها الطبيعة الجذابة أو نحتها تاريخ البلاد على الحجر والصخر.
كثيرة هي المناطق في روسيا التي تشغل حيزا خاصا في عالم السياحة غير أن عدستنا اليوم تبتعد عن موسكو جنوبا إلى مدينة أخرى هي تولا التي تقع على بعد حوالي 193 كيلومترا جنوب العاصمة الروسية.
وفي الطريق إلى هذه المدينة التي تفصلها ساعات قليلة عن موسكو تبرز الطبيعة بأجمل حللها. كلما تقدمنا إلى الأمام نحو تولا كلما تغيرت المشاهد لتستبدل الغابات الحقول والأشجار زهورا من مختلف الألوان على مدى النظر.
وتولا من أقدم المدن الروسية أسست في القرن الثاني عشر وشغلت في تاريخ البلاد محطات هامة يذكرها الكل حتى يومنا هذا فهي إحدى المدن "السوفيتية" التي تمكنت من صد تقدم الجيش الألماني في نهاية عام 1941 لتنضم في أواخر السبعينات إلى قافلة "مدن الأبطال".
قد يتساءل السائح: ماذا يمكن أن نرى أو نفعل في تولا؟.
لا تقل هذه المدينة عن غيرها أهمية اقتصادية كانت أو سياحية إذ تشتهر بمد الكثير من النواحي الروسية الثقافية والتقليدية والحضارية بمنتجاتها التاريخية العريقة.
في مدينة تولا تنتج كميات كبيرة من السماور والكعك (بريانيك) والأسلحة.
فضلا عن الإنتاج التجاري نظمت في المدينة ما سمي بمتاحف للكعك والسماور والأسلحة يمكن من خلالها رؤية تطور هذه الصناعات التي تفتخر المدينة بإنتاجها عبر والعصور.
كيف يمكن زيارة تولا دون رؤية الكرملين فيها.
هذا الكرملين الذي شيد في القرن السادس عشر وجسد حصنا منيعا بوجه الأعداء. غير أنه اليوم يأخذ طابع حديقة عامة يجيء إليها السكان للتنزه على الرغم من امتداد حديقة عامة كبيرة تحمل اسم "بيلاوسوف" على مساحات كبيرة رأت فيها عدسة "أنباء موسكو" شبابا يمارسون الرياضة وأطفالا يلعبون ويركضون وعشاقا يتنزهون وشيوخا يرقصون بحنان على وقع موسيقى نشعر وكأنها أعادتهم بالزمن سنوات وسنوات إلى الوراء.
وتمتد هذه الحديقة على ضفاف بحيرة صغيرة حولها السكان إلى شاطئ قد يعوض عدم وجود بحر قريب أو عدم القدرة على التوجه إلى البحر.
هي رحلة صغيرة جميلة في أحياء تولا، قد تكون رحلة غير اعتيادية في شوارعها الضيقة بعيدا عن الأفكار الجامدة والقوالب المنمطة للسياحة.
في الشوارع الضيقة الصغيرة البعيدة عن التجميل السياحي يمكن تخيل تاريخ المدينة بأكمله من أسماء شوارعها والتماثيل التي ترمز إلى حقبة أو أخرى: هذه هي تولا الحقيقية .. تولا الماضي والحاضر.
وعلى الرغم من الأشياء الكثيرة التي يمكن رؤيتها في تولا لا تكتمل السياحة إلا بزيارة "ياسنايا باليانا"، فخر تولا، ومحج الكثير من عاشقي الأدب أو الأدباء بعينهم.
في "ياسنايا باليانا" ولد الكاتب الروسي العظيم ليف تولستوي وتوفي.
مع الوصول إلى منطقة ياسنايا باليانا التي تبعد حوالي 15 كيلومترا عن تولا يهيمن جو من الخشوع الأدبي عندما ندرك أن تولستوي الذي يعرفه العالم كله تنقل على هذه الأرض التي تحت قدمينا ودخل من هذه البوابة العريضة واستوحى من شجر البلوط ومن الحقول الشاسعة المحيطة ببيته عملين أدبيين لا يزالان حتى يومنا نخبة في الأدب الروسي:"أنّا كارينينا" و"الحرب والسلام".
في قرية "ياسنايا بوليانا" حيث يقع منزل تولستوي تكفي نزهة بسيطة من المدخل الأساسي مرورا بمنزل الكاتب العظيم حتى قبره الذي لا يبرز وسط هذا المكان لبساطته والتحامه بالطبيعة والأرض وخلوه من أي ملامح دينية أو هندسات بشرية.
ساعات قليلة في هذا المكان تغني السائح عن أروع المقاهي وناطحات السحاب والقطارات والأنفاق، ساعات قليلة سياحة للروح قبل أن تكون للجسد، ساعات قليلة تضفي جلاء إلى الفكر خاصة عندما نرى بيت تولستوي على ما هو عليه أو عندما ندخل إلى الغرفة التي خرجت من بابها إلى العالم كله روائع الأدب الروسي.