‎مقالات واراء

‎تحقيقات

‎كتّاب

‎قضايا

مقالات واراء

بعد "الفيتو": هل ستتحمل روسيا مسؤولياتها تجاه الأزمة السورية؟

ما زالت رحى دوامة العنف تدور في سورية، وما زالت الأطراف المنخرطة مباشرة في الأزمة وتلك التي تحاول لعب دور لحلها، تتبادل الاتهامات.

لقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والرئيس السوري بشار الأسد © RIA Novosti. Эдуард Песов 18:25 | 2012 / 02 / 23

كتب شعيب الحسن 

على الصعيد السوري تشيع المعارضة السورية قتلاها وتتهم النظام بارتكاب المجازر، بينما تشيع دمشق الرسمية قتلاها من جنود وضباط ومدنيين وتتهم مجموعات إرهابية بقتلهم. وبين هذا وذاك تبقى حقيقة واحدة واضحة للعيان ولا شك فيها: الوضع في سورية يدخل مرحلة غاية في الخطورة، في ظل عجز القوى الدولية، الداعمة للنظام أو التي تطالبه بالرحيل، عن طرح أفكار تلاقي ترحيب الطرفين (السلطة والمعارضة) وتضع نهاية لأزمة تهدد مستقبل واحدة من الدول المحورية، جيوسياسياً، في الشرق الأوسط.

 كل هذا  في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات الإقليمية والدولية إلى وقف العنف من الجانبين، مع بروز انقسام واضح في المواقف على المستوى الدولي، حيث يقف الغرب ومعه غالبية الدول العربية إلى جانب المعارضة، ويطالبون بتنحي الرئيس السوري كخطوة أولى لحل الأزمة، كما يحملون السلطات الرسمية المسؤولية عن أعمال القتل التي تشهدها البلاد، بينما تقف روسيا في مواجهة هذه الدعوات، وترفض أية أفكار تحمل في طياتها نذر تدخل خارجي في الشأن السوري، بما في ذلك دعوة الرئيس السوري للتنحي التي ترى فيها موسكو مطلباً يتعارض مع القوانين الدولية ويمس كرامة الشعب السوري صاحب الحق الوحيد في تقرير مصير بلاده واختيار قيادته، كما تصر روسيا على تحميل كل أطراف الأزمة السورية مسؤولية العنف وترفض بإلقاء اللائمة على السلطات الرسمية فقط، وتذكّر دوماً بوجود مجموعات إرهابية مسلحة تقتل المدنيين والعسكريين.

خطورة المشهد السوري تعود إلى الجمود فيه، حيث ما زالت دوامة العنف تحصد الأرواح الطاهرة وتنشر الرعب في البلاد دون أن يتم حسم الموقف باتجاه أو آخر. ودخلت الأزمة في "جمودها الحالي" (أي استمرار الوضع على حاله دون تغيرات جذرية) منذ أن استخدمت كل من روسيا والصين حق الفيتو لمرة ثانية في مواجهة مشروع قرار ضد سورية رأت فيه موسكو وبكين قراراً "غير متوازن" ويمهد لتدخل خارجي في الشأن السورين الأمر الذي لاقى ترحيباً من قبل النظام ومؤيديه وانتقادات حادة اللهجة من قبل المعارضة والغرب وغالبية الدول العربية. وها هي روسيا ترفض المشاركة في لقاء ما يُمسى بـ "أصدقاء سورية" في تونس، معربة عن اعتقادها بأنه قد يشكل المنصة التي يقوم عليها التدخل الخارجي في الشأن السوري. وحاولت في الغضون تحسين الوضع مع الدول العربية إلا أن مساعي الرئيس ميدفيديف لم تكلل بالنجاح وسمع رداً لم يتوقعه من العاهل السعودي، الذي رد على كلام ميدفيديف بالقول إنه لم يعد بالإمكان الآن الحوار بشأن الوضع في سورية، ووجه اللوم لروسيا بأنها لم تنسق وتتشاور مع الدول العربية كما يجب قبل استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن. رغم هذا لا يمكن القول إن التنسيق بين موسكو والعواصم العربية بشأن سورية قد توقف، لكنه تأثر سلباً على خلفية الفيتو الروسي.

 باستخدامها الفيتو قطعت موسكو الطريق على تلك القوى التي أرادت الاستئثار بقرارات مجلس الأمن الدولي، وعبرت عن تمسكها برفض التدخل خارجي بشؤون الدول. والحق يُقال إن هذا الموقف الروسي من هذه الزاوية يبدو أكثر من إيجابي بل ومفيد لأنه يساهم في إيقاف قوى كبرى متغطرسة عند حدها. إلا أن الشارع العربي كان بانتظار "ما بعد الفيتو"، لاسيما وأن وفداً رفيع المستوى ضم وزير الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي أجرى زيارة إلى دمشق على صدى الفيتو الروسي. إذ توقع خبراء ومحللون، كما توقع كثيرون من عامة الشعب من الذين رحبوا بالموقف الروسي أو أدانوه على حد سواء، توقع كل هؤلاء أن تعلن الدبلوماسية الروسية عن مقترحات جديدة لحل الأزمة السورية تلاقي قبولاً لدى الطرفين، وبما لا يتعارض مع مفهوم "السيادة الوطنية" أو يمس به، ولا يحمل في طياته ما قد يُفسر على أنه دعوة أو مبرر لتدخل خارجي في شؤون الغير، حتى إن البعض ممن ما زالوا يعلقون الآمال على الدور الروسي أعربوا عن قناعاتهم بأنه بوسع موسكو، إن أرادت، أن تمارس الضغط على الحكومة والمعارضة بنفس القدر لإطلاق الحوار الوطني السوري.

إلا أن الدبلوماسية الروسية التي أبدت نشاطاً في التعاطي مع الأزمة في سورية منذ بدايتها لم تعلن حتى اليوم عن المبادرة أو المقترحات المتوقعة أو المأمولة والمنتظرة، وعملت طيلة الفترة الماضية، منذ زيارة لافروف وبوغدانوف وفرادكوف إلى دمشق، على توضيح أسباب استخدامها لحق الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع القرار العربي-الغربي، وتكرر في كل مناسبة متاحة أو غير متاحة تمسكها باعتماد الحوار السوري - السوري مخرجاً وحيداً لا بديل عنه من الأزمة الحالية. وإذ يتفق عدد كبير من أصحاب الرأي مع هذه الرؤية الروسية، ويثمنون مواقف موسكو حيال القضايا العربية بشكل عام، إلا أنهم يتساءلون عن أسباب وخلفية جمود الدبلوماسية الروسية وعدم تحركها بفعالية توقعها كثيرون لوضع حد لما تشهده سورية من تصاعد لأعمال العنف.

اليوم تبدو الأزمة السورية على عتبة مرحلة غاية في الخطورة، إذ أن الدول الغربية التي- والحق يُقال- لم تحمل خيراً للشعوب العربية في أي مرحلة من مراحل التاريخ، قد تتبنى فكرة تزويد المعارضة بالسلاح. وبغض النظر عن الموقف من المعارضة أو السلطات الرسمية، فإن مثل هذا السيناريو سيعني صب الزيت على نيران الأزمة، ودفع السوريين لتدمير بلدهم وقتل شعبهم بأيديهم، وهو ما يسعى إليه الغرب الذي وقف منذ البداية متفرجاً وخافياً بهجته بدخول سورية في دوامة عنف، لسنا هنا بصدد تشريحها وتحميل المسؤلية عنها لأحد، لأن الوقت عصيب وسورية، الدولة العربية التي لا يمكن تجاهل أهميتها ومكانتها في العمل العربي، عرضة لكارثة حقيقية إن لم تتحرك الأطراف المعارضة للموقف الغربي في الوقت المناسب كي تحول دون وقوعها.

في ظل كل هذه التعقيدات لا يمكن لأي كان أن يقول بأن روسيا غير معنية بما يجري، فهي الطرف الدولي المعني مباشرة بالتحرك للحيلولة دون سير الأمور في الشرق الأوسط نحو حروب أهلية وربما طائفية، لن تدع الأمن والمصالح الروسية، كما الأراضي الروسية أيضاً، لاسيما القوقاز، بخير. جدير بالاحترام والتقدير وقوف روسيا ضد غالبية القوى العالمية دفاعاً عما تراه إنصافاًُ وعدلاً، إلا أن مثل هذا الموقف يزيد من مسؤوليات روسيا حيال ما يجري في سورية، وعليه فهي مطالبة بصورة رئيسية بتحرك عاجل لحل الأزمة بما يرضي الأطراف، ويسحب البساط من تحت أقدام الغرب قبل فوات الأوان.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

 

تسجيل الدخول