"أنباء موسكو" - دمشق
عندما تعصف أزمة ببلد ما، لاسيما عندما تكون أزمة شاملة، سياسية يتخللها توتر أمني وتضرب باقتصاد الوطن والمواطن، فإنه من الطبيعي أو المنطقي أن تتراجع الحركة التجارية في الأسواق، بما في ذلك أسواق المواد الغذائية التي لن يعود المواطن ينفق المال فيها إلا لاقتناء الرئيسيات من مواد يحتاجها ليومه، وشراء بعض المواد التي يصلح تخزينها "ليوم أسود"، هذا ما يقوله المنطق. إلا أن الحالة السورية تبدو مختلفة بعض الشيء وتخضع، على ما يبدو، لمنطق مختلف كلياً، حيث تشهد أسواق المواد الغذائية في مدينة دمشق حركة شراء وبيع لا تعكس واقع أزمة تمر بها البلاد، وتكاد تكون بمستويات أفضل مما كانت عليه منذ أكثر من عام، قبل دخول سورية في أزمتها الحالية.
لقد تركت الأزمة التي تشهدها سورية منذ قرابة العام آثارا سلبية مباشرة على حياة المواطن ومستوى معيشته، نظراً لفقدان عدد كبير من العاملين، وبصورة رئيسية في القطاع الخاص، إلى جانب العاملين في مجال السياحة والخدمات والترفيه، لوظائفهم. أما العاملون في القطاع العام فقد تأثروا هم أيضاً بالأزمة بعد ارتفاع الأسعار بشكل عام، وعلى المواد الغذائية أيضاً بنسب متفاوتة، دون أن يترافق هذا الارتفاع مع زيادات جديدة على دخلهم بالليرة السورية التي تشهد قيمتها هبوطاً مستمراً منذ بداية الأزمة. هذا واقع لا يخفيه أحد في سورية، وهو يعني تراجع القدرة الشرائية لدى المواطن، وتراجع دخل الباعة وأصحاب المحلات، وغيرها من نتائج.
إلا أن اللافت والغريب أن حركة سوق المواد الغذائية لم تشهد أي تراجع، بل حتى أنها حققت صعوداً واضحاً في بداية الأزمة حين سارع الناس إلى شراء المواد الغذائية القابلة للتخزين بكميات كبيرة، تحسباً لأي تطور غير مرغوب فيه يحول دون إمكانية ذهابهم للتسوق. منذ الشهر الثاني للأزمة، وعندما أصبح الوضع اعتياداً بالنسبة للمواطن، استعادت سوق المواد الغذائية نشاطها الطبيعي متجهة من شهر لآخر نحو ارتفاع نسبة المبيعات. في المرحلة الحالية لم يعد الوضع بحاجة إلى أرقام وإحصائيات اقتصادية، إذ أن مجرد الدخول إلى واحدة من أسواق المواد الغذائية المعروفة في دمشق سيُظهر حقيقة أن حركة البيع تجري على قدم وساق وبنشاط فوق الاعتيادي نهاراً، أما في المساء وبعد مغيب الشمس فإن الحركة، على غير عادة هذه الأسواق، تتراجع لأن غالبية المواطنين يفضلون التزام منازلهم مساءً في هذه الأيام.
لأسواق دمشق روحانية خاصة تميزها عن الأسواق في الدول العربية الأخرى، فترى الفاكهة والخضار مصفوفة بدقة وجمالية على طاولات مائلة يسلط الباعة عليها أضواء ملونة حسب نوع الفاكهة أو الخضار المعروض، فترى الضوء الأحمر يسقط على حبات الطماطم ليجعل من لونها الأحمر الباهت قاتماً، فيكسبها جمالية تفتح شهية الناظرين. أما الأعشاب مثل الخس والبقدونس فيرشها البائع دوماً ببعض قطرات الماء التي تبدو مثل حبات ندى صباحية تغطي اللون الأخضر وتعطي إحساساً بنضارة العشب. ولا تتوقف مساعي الباعة لكسب المشترين عند هذا فهم غالباً ما يصبحون في ساعات العمل مثل منشدين عشاق كل ينادي مروجاً لسلعته. أما أهم ما يميز الأسواق الدمشقية فهو لطف الباعة ولباقتهم في التعامل مع الزبائن، مستخدمين عبارات تجعل الزبون يدفع ما يطلبون منه من ثمن بكامل الرضا والطاعة.
وكما كانت الأسواق الدمشقية محطة يومية للكثيرين، ما زالت على حالها في يومنا هذا على الرغم من كل التعقيدات التي يعاني منها المواطن نظراً للظروف الراهنة في البلاد. صاحب أحد المحال التي تبيع الخضار أكد أن حركة البيع في السوق لم تتراجع وحافظت على وتيرتها، مع ارتفاع في نسبة المبيعات في حالات كثيرة. ويحيل هذا الرجل الذي ورث بيع الخضار عن والده وجده عدم تأثر السوق بما يجري إلى عوامل بعضها بديهي وبعضها على صلة بالأزمة، ويقول إنه "بمقدور الإنسان التخلي عن أي سلعة باستثناء الطعام والماء"، لذلك هو لا يخشى على عمله مهما تغيرت الظروف، وارتفعت الأسعار "فلا حياة بدون طعام". ويرى بائع الخضار أن ارتفاع نسبة مبيعاته، أو مشتريات الزبائن منه، يعود إلى رغبة المواطن بأن يوفر في منزله بصورة دائمة أكبر كم ممكن من المواد الغذائية، على سبيل المثال يميل كثيرون إلى شراء أكياس البطاطا كاملة (سعة 25 كغ) في هذه الأيام أكثر مما كانوا عليه في نفس الفترة من العام الماضي، وهناك ارتفاع لاستهلاك خضار للسلطات مثل الخيار والطماطم والليمون، وكذلك الأمر بالنسبة للفاكهة الموسمية- الحمضيات.
بائع آخر في واحدة من أسواق دمشق يرى أن إقبال الناس على المواد الغذائية يعود إلى جملة أسباب منها أنهم يمضون في ظل الظروف الحالية معظم الوقت في بيوتهم، ويتفننون في إعداد الموائد وطهي الوجبات التقليدية والاحتفالية فيلتئم شمل الأسرة حول مائدة طعام مميزة بصورة يومية تقريباً، لا في أيام العطلة فقط، وكل هذا لجعل الوقت يمر بصورة أجمل. أما البائع في محل "البزورية" حيث تُباع الحبوب والمعلبات فيؤكد أن الطلب تزايد على السلع التي يتاجر بها على الرغم من ارتفاع أسعارها بنسبة عالية. إذ تشهد السوق طلباً متزايداً على المعلبات بكل أصنافها، وكذلك الأمر بالنسبة لمواد مثل الأرز والسكر والبرغل والشاي. ويحيل التاجر في "البزورية" ارتفاع أسعار هذه المواد إلى ازدياد الطلب عليها بصورة مفاجئة منذ أقل من عام في بداية الأزمة، لكنه يستغرب بقاء الطلب مرتفعاً على حاله حتى اليوم، فإذا "هجم" الناس لشراء هذه المواد بهدف التموين في البداية، ما الذي يدفعهم لشرائها بكميات أكبر من المعتاد بصورة مستمرة!!
يقول أحد الباعة إن "الأزمة تفتح شهية المواطن إما لأنه يشعر بالقلق والقلق يولد الشعور بالجوع، أو لأنه يخشى أن تختفي هذه المادة الغذائية أو تلك من السوق فيشتري أكثر من نوع ويُعد وجبات متنوعة ليذوق كل ما يمكن تذوقه طالما هو متوفر". أما السبب المنطقي لهذه الظاهرة فهو ما ذكره بائع الخضار حول استحالة بقاء الإنسان دون طعام وماء، لذلك ستبقى الحركة التجارية في سوق المواد الغذائية على حالها، وأفضل بكثير من حال أسواق المواد الأخرى مثل الألبسة والأدوات المنزلية، إذ يمكن العيش دون مكواة لكن لا يمكن العيش دون الخبز.