© AFP. YouTube
15:33 | 2012 / 01 / 23
كتب رائد جبر
في الشهور الأخيرة خرج إلى العلن في شكل مفاجئ، مثلما ينمو الفطر في غابة، عدد من "لجان التضامن" و"الجمعيات" التي حملت تسميات "الدفاع عن الشعوب" لكنها كرست نشاطها للدفاع عن قاتلي تلك الشعوب.
ونشطت في إرسال وفود، واحدا تلو الآخر إلى ليبيا أولا، ثم إلى سورية بعدما أدت تطورات الأحداث إلى إغلاق "الدكان" الليبي.
والمثير أن كل مشاهدات أفراد تلك الوفود جاءت متطابقة تماما، ولدرجة تدعو إلى العجب، مع الدعاية الرسمية للنظامين، بدءا من "المؤامرة العالمية" و"العصابات المسلحة التي ترتكب جرائم ضد الشعب" وصولا إلى تكذيب أنباء وشهادات ومعطيات كثيرة عن ارتكاب مجازر ضد المدنيين.
بداية، لا بد أن يلاحظ المراقب أن أصوات هؤلاء لم تتعال لتأسيس "جمعيات الدفاع" عندما كانت غزة تقصف بوابل من قنابل الفسفور. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية لم يأخذ كثيرون من "وطنيي روسيا وعتاة مناضليها" ضد "الهيمنة الاستعمارية الغربية" بفكرة تشكيل وفد لزيارة غزة، بهدف تخفيف وطأة الحصار عنها، ولم يشارك روسي في أساطيل "الحرية"، باستثناء عدد محدود من الشرفاء، قام بجهد حميد في هذا الاتجاه في وقت لاحق.
وعلى العكس من ذلك، تشدق في حينها، كثير من المدافعين حاليا، عن همجية وقسوة الطغاة السابقين في ليبيا واللاحقين في سورية، بأن المسؤولية عن كل مصائب أهل غزة، تقع على عاتق حركة "حماس" وحدها.
وهذا أمر لم يكن جديدا على أي حال، فقد غاب الروس في وقت سابق أيضا، عن ظاهرة نبيلة أخرى هي "الدروع البشرية" لحماية المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية، التي كان يشارك فيها أميركيون وبريطانيون وبلجيكيون وإيطاليون وكنديون وفرنسيون وألمان...أي مواطنو تلك البلدان "الاستعمارية".
مناسبة هذا الكلام السقوط الجديد في اختبار الضمير الإنساني، لبعض ممثلي "جبهة الصمود والتصدي" الروسية المعاصرة، والذي تمثل في قيام اتحاد كتاب روسيا بمنح جائزة للرئيس السوري بشار الأسد على "تميزه في العام 2011 كرمز للصمود في مواجهة الهيمنة الغربية".
ربما لم يشعر رئيس هذا الاتحاد فاليري غانيشييف بالعار، وهو يكتب نص رسالته إلى الأسد، لأن تلمس قضايا الشعوب، والتبحر في هموم البسطاء والمغلوبين على أمرهم ورفع الصوت ضد هراوة الظلم وكابوس الدكتاتوريات، كل هذا لم يعد يدخل ضمن اهتمامات بعض كتاب روسيا في القرن الواحد والعشرين، وخصوصا في الاتحاد الذي بالمناسبة، ليس الوحيد من نوعه في روسيا، أي أنه لا يمثل كل الكتاب في هذا البلد.
من المحزن أن يصل قصور الضمير الإنساني عند بعض كتاب روسيا التي أهدت العالم في عهود مضت، روائع الأدب الإنساني في أرفع تجلياته، إلى درجة أن يبرر فاليري غانيشييف منح الأسد الجائزة "لصموده في مقاومة الهيمنة الغربية، في محاولة إملاء إرادة مستعمري عالمنا الحالي على الشعب السوري" قبل أن يتابع: "توجد مجموعات متضررة من مقاومة الهيمنة تحاول استثارة الشارع ونرى ازدواجية المعايير في التعاطي مع الأحداث في المنطقة، تتعرض لهجمات همجية لتفتيتها تحت اسم ثورة".
هكذا إذا يرى "كبير كتبة" روسيا الشعب السوري "مجموعات مغرضة تنشط تحت اسم ثورة". وببرود أعصاب يحسد عليه يستطيع السيد غانيشييف أن يتجاهل شلال الدم المسفوك ويكرم صانعه.
يحق للسوريين أن يغضبوا وأن يستغربوا. ويحق لكتاب سورية أن يبعثوا رسالتهم المليئة بالمرارة والإحباط إلى زملائهم الروس وفيها:
"لقد تسببت أوامر الطاغية الذي منحتموه جائزتكم بسقوط نحو 6500 قتيل، بينهم نحو 450 طفلا و300 امرأة، ومنهم مئات قتلوا تحت التعذيب، وما يقدر بعشرات آلاف المعتقلين والمطاردين الهاربين من القمع واللاجئين في البلدان المجاورة، فضلا عن آلاف المفقودين.
ولقد أصدرت هيئات عالمية مستقلة، كمنظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، تقارير موثقة، تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النظام مسؤول عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري. إن في منح اتحادكم جائزة لهذا القاتل المنحرف امتهانا فظيعا لمسؤولية المثقف الأخلاقية والسياسية، وفيه إهانة بليغة لشعبنا الذي يثور من أجل كرامته، بل وللثقافة الروسية والشعب الروسي. وإننا لنشعر بالصدمة أن اتحاد كتاب روسيا العظيمة، أمة بوشكين وغوغول وليرمونتوف ودستويفكسي وتورغينيف وتولستوي وتشيخوف وماياكوفسكي وغوركي، يكافئ سفاحا قاتلا لشعبه، ولا نستطيع تبين دوافعكم لفعل ذلك. حتى اتحاد الكتاب التابع للنظام السوري لم يفعل شيئا كهذا. وإننا لنتساءل عما إذا كانت غالبية الكتاب المنضوين في اتحادكم قد وافقت على هذه البادرة غير المشرفة.
لقد أسفنا كثيرا للهجة المعادية لشعبنا التي حملتها مسوغاتكم لمنح الجائزة لهذا القاتل، والتي تعتبر ثورة شعبنا المطالب بالديمقراطية بمثابة مؤامرة. فحتى القيادة السياسية الروسية التي تمد نظامنا السفاح بأسلحة تقتل شعبنا، لم تبلغ هذا المبلغ في تأييده".
كان لا بد من إيراد تلك المقاطع الواسعة من رسالة بعثت بها رابطة الكتاب السوريين، لأنها تكشف حجم المرارة وخيبة الأمل التي أصابت كثيرين. وفي حال أن وصول سفينة ذخائر روسية إلى النظام السوري، في وقت يقوم بقتل شعبه بهذا السلاح يبرره البعض بأنه "التزام بعقود تجارية لا دخل للسياسة بها" والإعلان عن توقيع عقود إضافية لتزويد النظام بطائرات وأسلحة متنوعة يغدو "مسألة سيادية لأن العقوبات الغربية لا تعني موسكو"، فالأكيد أن منح جائزة من جانب بعض الكتاب لا يدخل ضمن متطلبات السيادة أو المصالح التجارية بين البلدين، إنه مجرد سقوط أخلاقي.
شيء من ضمير يا سادة. فأنتم هكذا تنزلقون إلى مقاعد الشركاء في الجريمة.
-المقالة تعبر عن رأي كاتبها-